الصين في 2026.. استقرار اقتصادي ورسائل طمأنة للعالم

الصين في 2026.. استقرار اقتصادي ورسائل طمأنة للعالم
بقلم: مشيرة جيوي
مع دخول عام 2026، تتجه أنظار المجتمع الدولي إلى الصين، التي أنهت مؤخرًا تنفيذ خطتها الخمسية الرابعة عشرة وتستعد لإطلاق مرحلة تخطيط جديدة. هذا الانتقال المؤسسي لا يُعد إجراءً إداريًا فقط، بل يمثل مؤشرًا على استمرارية النهج التنموي الذي تتبناه بكين منذ عقود، في وقت يشهد فيه العالم حالة واسعة من التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية.
وفي رسالة رأس السنة، وجّه الرئيس الصيني شي جين بينغ كلمة إلى الشعب دعا فيها إلى مواصلة العمل بثقة ومواكبة التحولات، مؤكدًا المضي قدمًا في مسار التنمية والانفتاح. وقد رصدت وسائل إعلام دولية نبرة التفاؤل في هذه الرسالة، واعتبرتها تعبيرًا عن رغبة الصين في تقديم صورة مستقرة في بيئة دولية مضطربة.
مسار تنموي طويل الأمد
يعتمد النموذج الصيني على التخطيط المرحلي عبر خطط خمسية متعاقبة منذ خمسينيات القرن الماضي، وهو ما وفّر قدرًا من الاستمرارية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية. ومع ختام الخطة الرابعة عشرة، حافظ الاقتصاد الصيني على معدلات نمو وُصفت بأنها من بين الأعلى مقارنة بالاقتصادات الكبرى، في وقت واجه فيه الاقتصاد العالمي تحديات متزايدة مرتبطة بالتجارة والرسوم الجمركية واضطراب سلاسل الإمداد.
ويرى مراقبون أن أحد محركات هذا الأداء هو التحول نحو ما يُعرف بـ«التنمية عالية الجودة»، حيث لم يعد التركيز مقتصرًا على حجم الإنتاج، بل شمل رفع الكفاءة، وتحديث الصناعة، وتعزيز الابتكار. وخلال السنوات الأخيرة، برزت صناعات متقدمة في مجالات مثل أشباه الموصلات، والطاقة الجديدة، والتقنيات الرقمية، ما ساهم في إعادة تشكيل الهيكل الصناعي الصيني.
الابتكار والتكنولوجيا في قلب التحول
تشير مؤشرات دولية إلى تقدم الصين في مجالات البحث والتطوير، مع تنامي حضورها في سباقات الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والروبوتات، والطائرات المسيّرة. وفي هذا السياق، أظهرت تقارير صادرة عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية تحسن موقع الصين في مؤشرات الابتكار، ما يعكس توسّع الاستثمار في المعرفة والتقنيات المتقدمة.
البعد الاجتماعي والسياسات المعيشية
بالتوازي مع التحولات الاقتصادية، ركّزت السياسات العامة في الصين على ملفات اجتماعية تمس الحياة اليومية للمواطنين، مثل دعم الأسر، وتحسين الخدمات الموجهة لكبار السن، وتطوير نظم الحماية الاجتماعية للعاملين في القطاعات الجديدة. ويُنظر إلى هذا التوجه بوصفه محاولة لتحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي على المدى المتوسط والطويل.
دور دولي وانفتاح اقتصادي
في ظل تصاعد النزاعات الإقليمية عالميًا، تطرح الصين نفسها فاعلًا يدعو إلى الحوار وتخفيف حدة التوتر، إلى جانب مشاركتها في أطر تعاون إقليمي مثل منظمة شانغهاي للتعاون. كما تواصل بكين توسيع انفتاحها الاقتصادي، مع دفع مبادرات للتجارة الحرة وتسهيل الاستثمار، من بينها تطوير مناطق تجارية خاصة في جزيرة هاينان.
ويرى محللون أن هذا الانفتاح يبعث برسالة طمأنة للأسواق الدولية في مرحلة تتزايد فيها النزعات الحمائية، ويعكس قناعة بأن الترابط الاقتصادي العالمي لا يزال عنصرًا أساسيًا للاستقرار والنمو.
قراءة في الاتجاه العام
مع بداية 2026، تبدو الصين أمام مرحلة جديدة من التخطيط المتوسط المدى، مدعومة بمزيج من الاستمرارية المؤسسية، والتحول الصناعي، والانفتاح النسبي على العالم. وبينما تختلف التقديرات حول سرعة وقدرة هذا المسار على مواجهة التحديات العالمية، فإن التجربة الصينية في التخطيط المرحلي تظل نموذجًا مهمًا لفهم كيف تحاول الدول الكبرى إدارة التنمية في بيئة دولية غير مستقرة.

