مقالات

أسماء عفيفي تكتب: عندما يتحول التحرش إلى خطاب مشروع

أسماء عفيفي تكتب: عندما يتحول التحرش إلى خطاب مشروع

ما يجري على الساحة الرقمية المصرية في الفترة الأخيرة يتجاوز كونه انفلاتًا عابرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تجاوزات فردية يمكن احتواؤها. نحن أمام تحوّل مقلق، تتبدّل فيه صورة التحرش من سلوك مدان إلى خطاب عام يجد من يبرره ويعيد إنتاجه، أحيانًا بأقلام يُفترض أنها واعية ومؤثرة.

حين تصبح التعليقات على صور مرشحات مجلس النواب محصورة في المظهر والملابس، ويجري تناول مشاركتهن السياسية من زاوية الشكل لا الفكرة، فنحن لا نتعامل مع دعابة ثقيلة الظل، بل مع نمط جديد من التحرش المغلّف بلغة اجتماعية ناعمة، يُفرغ وجود المرأة في المجال العام من قيمته الحقيقية.

في هذا الخطاب، لا تُرى المرأة بوصفها فاعلًا سياسيًا أو صاحبة رؤية، بل كموضوع للتقييم البصري، وكأن الكفاءة تتناقض مع الجمال، أو كأن الظهور العام مشروط بالقبول الضمني بأن تكون محل نظر وتعليق.

المشكلة لا تكمن فقط في المضمون، بل في المصدر.

فعندما يصدر هذا الخطاب عن إعلاميين وصحفيين، فإنه يكتسب شرعية ضمنية، وينتقل سريعًا من النخب إلى الشارع، ليُعاد إنتاجه بصورة أكثر قسوة وفجاجة.

هنا يصبح من المفهوم — وإن كان صادمًا — أن تتعرض فتاة لجأت إلى الاستغاثة بعد تحرش، لهجوم جماعي بدلًا من الدعم، وتُواجه بسيل من الإهانات والتلميحات، وكأنها المتهمة لا الضحية، وكأن طلب الحماية جريمة تستوجب العقاب.

في هذا المشهد المختل، تنقلب المعايير: تُدان الضحية، ويُمنح المتحرش غطاءً أخلاقيًا، ويُعاد تعريف الرجولة بوصفها تضامنًا أعمى لا مسؤولية فيه ولا ضمير.

ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين الذكورة كحقيقة بيولوجية، والرجولة كقيمة أخلاقية.

فالرجولة لا تُقاس برفع الصوت، ولا بالسخرية الجماعية، ولا بالقهر اللفظي، بل بالقدرة على احترام الآخر، وضبط النفس، وتحمل المسؤولية الكاملة للكلمة وتأثيرها.

الأخطر من الكلمات نفسها هو تآكل الحياء العام.

أن تُقال عبارات بلا أي اعتبار لمن قد يقرؤها: أم، أو أخت، أو ابنة، أو زوجة.

أن تختفي فكرة الحدود من المجال العام، ويحل محلها منطق الاستباحة تحت لافتات مضللة مثل “الحرية” أو “الجرأة”.

ما يحدث ليس شجاعة، ولا صراحة، ولا تحررًا من القيود، بل تراجعًا حادًا في الوعي الجمعي، وتطبيعًا مع خطاب يُسيء إلى المرأة ويشوّه المجال العام في آن واحد.

السؤال اليوم لم يعد: لماذا يحدث هذا؟

بل: من يملك الاستعداد لمواجهته؟

ومن يمتلك الشجاعة الأخلاقية ليقول بوضوح إن هذا المسار، إذا استمر، لن يدمر صورة النساء فقط، بل سيقوّض المجتمع بأكمله.

زر الذهاب إلى الأعلى