لماذا تعتمد الصين على الخطط الخمسية في إدارة التنمية؟

لماذا تعتمد الصين على الخطط الخمسية في إدارة التنمية؟
بقلم: مشيرة جيوي
في السنوات الأخيرة، أصبح التخطيط طويل المدى ركيزة أساسية في سياسات التنمية لدى كثير من الدول، خصوصًا في العالم العربي، حيث برزت رؤى وطنية ممتدة مثل «رؤية مصر 2030» والخطط الاستراتيجية في السعودية والإمارات وقطر. وفي السياق ذاته، تبرز التجربة الصينية كنموذج مختلف في إدارة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، إذ تعتمد بكين على آلية مؤسسية ثابتة تقوم على إعداد خطط خمسية متتابعة تقود مسار التنمية خطوة بخطوة.
التخطيط الخمسي… مسار تراكمي لا قرارات مؤقتة
منذ إطلاق أول خطة خمسية في خمسينيات القرن الماضي، وضعت الصين إطارًا متواصلًا للتنمية قائمًا على خطط مترابطة وليست منفصلة. هذه الخطط لا تُبنى بمعزل عن بعضها، بل تأتي ضمن رؤية عامة بعيدة المدى، تُترجم إلى أهداف مرحلية قابلة للتنفيذ والتقييم. هذا الأسلوب يمنح الدولة قدرة على الاستمرار في الاتجاه الاستراتيجي نفسه، حتى مع تغيّر الظروف الدولية أو الضغوط قصيرة الأجل.
أكثر من أرقام اقتصادية
لا تقتصر الخطط الخمسية في الصين على المؤشرات الاقتصادية فقط، بل تشمل ملفات متعددة مثل التطور التكنولوجي، البحث العلمي، تحسين جودة الحياة، الإدارة الاجتماعية، التنمية الإقليمية المتوازنة، والانفتاح على العالم. وبذلك تتحول الرؤى الكبرى إلى سياسات عملية وبرامج تنفيذية، ما يعزز من قابلية التنبؤ بالمسار العام للتنمية ويمنح المستثمرين والمجتمع إشارات واضحة عن اتجاه السياسات الحكومية.
الاستقرار وسط عالم متغير
في ظل بيئة دولية تتسم بالتقلبات السريعة وعدم اليقين، يوفر التخطيط المتوسط والطويل المدى نوعًا من الاستقرار الاستراتيجي. فبدل أن تتغير السياسات مع كل أزمة أو تحول طارئ، تتيح الخطط الخمسية الحفاظ على الاتجاه العام، مع إدخال تعديلات مرحلية مدروسة عند الحاجة. وهذا يسهّل على الحكومة تنسيق السياسات بين القطاعات المختلفة، كما يساعد المجتمع والقطاع الخاص على بناء توقعات واقعية للمستقبل.
مرحلة انتقالية واستشراف القادم
تستعد الصين حاليًا للانتقال من تقييم نتائج الخطة الخمسية الرابعة عشرة إلى الإعداد للخطة الخامسة عشرة، في إطار نقاشات مؤسسية واسعة تُطرح خلالها قضايا التنمية المتوسطة والطويلة المدى. وتُعد هذه المرحلة مؤشرًا على طبيعة التخطيط في الصين، حيث يبدأ الإعداد للمراحل المقبلة قبل انتهاء المرحلة الحالية، لضمان استمرارية السياسات وعدم حدوث فجوات في الرؤية التنموية.
تقاطع مع التجارب العربية
من زاوية أوسع، تلتقي التجربة الصينية في جوهرها مع مساعي العديد من الدول العربية التي تتبنى رؤى تنموية طويلة الأجل. ورغم اختلاف السياقات السياسية والاقتصادية، إلا أن القاسم المشترك يتمثل في الإقرار بأن التنمية المستدامة لا تُدار بمنطق اللحظة الراهنة فقط، بل تحتاج إلى أطر مؤسسية تضمن الاستمرارية وتربط الحاضر بالمستقبل.
فلسفة حوكمة قبل أن تكون خطة
الخطط الخمسية في الصين ليست مجرد أدوات تخطيط اقتصادي، بل تعكس فلسفة متكاملة في إدارة الدولة تقوم على وضوح الرؤية، وتدرّج التنفيذ، والتوازن بين الثبات والتكيّف مع المتغيرات. ومن خلال فهم هذا النموذج، يمكن قراءة إيقاع التنمية في الصين واستشراف اتجاهاتها المقبلة، فضلًا عن الاستفادة من التجربة في كيفية إدارة عدم اليقين في عالم سريع التحول.
