حين تتراجع الحكاية ويتقدم الأثر قراءة نقدية في كتاب «ربيع أخر وأشياء أخرى» لعبد العزيز أبو المجد

حين تتراجع الحكاية ويتقدم الأثر قراءة نقدية في كتاب «ربيع أخر وأشياء أخرى» لعبد العزيز أبو المجد**
بقلم: محمود محمود
منذ صدور كتاب «ربيع أخر وأشياء أخرى» للكاتب والمفكر عبد العزيز أبو المجد، يفرض العمل سؤالًا يتجاوز حدود الموضوع أو النوع الأدبي، ليصل إلى جوهر أعمق: لماذا كُتب هذا الكتاب الآن؟ ولماذا جاء بهذه الصيغة التي تبدو خارج القوالب السردية المعتادة في الأدب العربي المعاصر؟
الكتاب لا يطلب من القارئ أن يتعامل معه بوصفه مجموعة حكايات أو نصوص متفرقة، بل كأثر فكري وإنساني يعكس لحظة زمنية لم تعد فيها الحكاية قادرة على احتواء التجربة الإنسانية، ولم يعد السرد التقليدي قادرًا على تفسير العالم أو تهدئة ارتباكه. هنا، تصبح الكتابة فعل تسجيل داخلي لما يتبقى بعد عجز اللغة عن الشرح، وبعد إنهاك المعنى من كثرة الاصطدام بالواقع.
كتابة ما بعد السرد
ما يميز «ربيع أخر وأشياء أخرى» أنه ينتمي إلى أدب ما بعد الحكاية؛ أدب لا يعتمد على الحبكة أو البطل أو النهاية الواضحة، بل يقوم على تراكم الحالات والانطباعات، وعلى نبض داخلي متكرر يعكس طبيعة وعي يعيش داخل التصدع لا خارجه. النصوص لا تسعى إلى ترتيب الحياة، بل إلى التقاط ما تتركه في النفس من شروخ وأسئلة مؤجلة.
هذا الاختيار الجمالي يضع الكتاب ضمن تقليد عالمي ظهر في لحظات الانكسار الكبرى، حين فقد الأدب ثقته في قدرته على تمثيل العالم بشكل كامل، فتحول إلى الشهادة بدل البناء، وإلى تسجيل الأثر بدل رواية الحدث. وهو ما يجعل الكتاب ضرورة فنية لا مجرد تجربة شكلية.
من «أهلاً جوبيتير» إلى «ربيع أخر»
لا يأتي هذا العمل معزولًا عن المسار الإبداعي لعبد العزيز أبو المجد. ففي روايته السابقة «أهلاً جوبيتير»، ظهرت ملامح هذا التوجه بوضوح، خاصة في الجزء الذي يستحضر حصار لينينغراد عبر صوت طفلة تكتب لأختها الغائبة. هناك، لم يكن التاريخ مادة للسرد بقدر ما كان أثرًا نفسيًا يُكتب من داخل الجوع والبرد والانتظار، لا من خارجه.
الجملة المتكررة: «ورغم كل شيء… لا بد للحياة أن تستمر» لم تأتِ بوصفها عزاءً، بل كعبارة فقدت معناها من كثرة الترديد، وهو ما يكشف مبكرًا عن كتابة تنطلق من الإنهاك لا من اليقين، ومن الصمت لا من الوفرة.
أهمية الكتاب في السياق العربي
تتضاعف أهمية «ربيع أخر وأشياء أخرى» في المشهد العربي، حيث لا تزال الكتابة السردية في كثير من تجلياتها مرتبطة بالبطل الواضح، والتفسير، والنهاية ذات المغزى. في المقابل، يقترح هذا الكتاب نصًا بلا بطل، وبلا خطاب تعليمي، وبلا نهاية مريحة، معترفًا بأن الإنسان العربي المعاصر يعيش وسط فيض من الأحداث التي يصعب تحويلها إلى معنى متماسك.
هذا الاعتراف ليس ضعفًا، بل شجاعة أدبية تعيد تعريف وظيفة الأدب من صناعة الحكاية إلى التقاط الأثر، ومن تقديم الإجابات إلى فتح مساحة للرؤية والتأمل.
لغة مقتصدة وصمت فاعل
قوة الكتاب الأساسية تكمن في لغته. لغة مشدودة، مقتصدة، خالية من الزخرفة المجانية، كأن كل جملة خضعت لاختبار صارم قبل أن تُكتب. هذا الاقتصاد اللغوي ليس فقرًا، بل انضباطًا فنيًا يترك للمعنى أن يكتمل داخل القارئ لا داخل السطر.
الصمت هنا ليس غيابًا للكلام، بل جزء من بنيته، وأحد أدواته الأساسية. فالنص لا يشرح، بل يلمّح، ولا يصرّح، بل يترك أثرًا بطيئًا يعمل داخل الوعي. التكرار بدوره لا يأتي بوصفه عيبًا، بل كإقامة داخل الحالة، ومحاولة متجددة لفهمها من زوايا مختلفة.
نص بصري بامتياز
من زاوية أخرى، يمكن قراءة الكتاب كبنية زمنية وبصرية، لا كنص أدبي فقط. فالإيقاع الداخلي، والمساحات البيضاء، والاقتصاد في اللغة، تجعل العمل أقرب إلى فيلم يتعمد ترك فراغاته مفتوحة، ويثق في قدرة المتلقي على المشاركة في بنائه.
بهذا المعنى، لا يُقدّم «ربيع أخر وأشياء أخرى» نفسه كمنتج جاهز للاستهلاك، بل كتجربة تتطلب صبرًا وانتباهًا، وتكافئ القارئ بعمقها لا بسهولة تلقيها.
إضافة حقيقية للمكتبة العربية
في المحصلة، لا يطلب هذا الكتاب الإجماع، ولا يسعى إلى الانتشار السريع، لكنه يراهن على نوع آخر من الحضور: حضور النص الصادق الذي يُكتب من داخل الضرورة، لا من منطق السوق أو الضجيج. وهو بذلك يشكل إضافة حقيقية للمكتبة العربية، لا لأنه يرفع صوته، بل لأنه يختار الصدق، ويمنح الأدب وظيفة أعمق: أن يكون وثيقة حساسية إنسانية قبل أن يكون حكاية.
«ربيع أخر وأشياء أخرى» ليس نهاية مسار، بل مرحلة ناضجة في مشروع كتابي واضح، يؤكد أن عبد العزيز أبو المجد كاتب يمتلك صوتًا متماسكًا، ووعيًا جماليًا يعرف متى يتكلم، ومتى يترك للصمت أن يقول ما لا تستطيع اللغة احتماله.



